محمد حسين الذهبي

269

التفسير والمفسرون

بعض آخر ، ومنهم من أدمج بعضها في بعض وضغطها حتى كانت أقل عددا مما ذكرنا ، وليس هذا العدد الذي ذكرنا حاصرا لجميع العلوم التي يتوقف عليها التفسير ، فإن القرآن - مثلا - قد اشتمل على أخبار الأمم الماضية وسيرهم وحوادثهم ، وهي أمور تقتضى الإلمام بعلمى التاريخ وتقويم البلدان ، لمعرفة العصور والأمكنة التي وجدت فيها تلك الأمم ، ووقعت فيها هذه الحوادث . وأرى أن أسوق هنا مقالة الأستاذ المرحوم السيد محمد رشيد رضا في مقدمة تفسيره تتميما للفائدة ، وإليك نص هذه المقالة التي اقتبسها من دروس أستاذه الإمام الشيخ محمد عبده عليه رضوان اللّه . قال رحمة اللّه « للتفسير مراتب : أدناها أن يبين بالإجمال ما يشرب القلب عظمة اللّه وتنزيهه ، ويصرف النفس عن الشر ، ويجذبها إلى الخير ، وهذه هي التي قلنا إنها متيسرة لكل أحد « ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر » « 1 » وأما المرتبة العليا فهي لا تتم إلا بأمور : أحدها : فهم حقائق الألفاظ المفردة التي أودعها القرآن ، بحيث يحقق المفسر ذلك من استعمالات أهل اللغة ، غير مكتف بقبول فلان وفهم فلان ؛ فإن كثيرا من الألفاظ كانت تستعمل في زمن التنزيل لمعان ثم غلبت على غيرها بعد ذلك بزمن قريب أو بعيد ، من ذلك لفظ التأويل اشتهر بمعنى التفسير مطلقا ، أو على وجه مخصوص ، ولكنه جاء في القرآن بمعان أخرى ، كقوله تعالى « هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق » « 2 » فما هذا التأويل ؟ يجب على من يريد الفهم الصحيح أن يتتبع الاصطلاحات التي حدثت في الملة ، ليفرق بينها وبين ما ورد في الكتاب ، فكثيرا ما يفسر المفسرون كلمات القرآن بالاصطلاحات التي حدثت في الملة بعد القرون الثلاثة الأولى ،

--> ( 1 ) الآية ( 17 ) من سورة القمر ، وفي مواضع أخرى من السورة نفسها . ( 2 ) في الآية ( 53 ) من سورة الأعراف .